الأحد، 9 نوفمبر، 2008

حسن الخلق


حسن الخلق
أيها المؤمنون اتقوا الله ربكم واعملوا بخصال التقوى، فإن لتقوى الله جل وعلا خصالاً لا تتم إلا بها ومن تلك الخصال يا عباد الله حسن الخلق وصالح السجايا والشيم، فإن من مقاصد البعثة المحمدية إتمام صالح الأخلاق، فإن الله بعث محمداً على حين فترة من الرسل ليتم به صالح الأخلاق وفاضلها، فعن أبي هريرة مرفوعاً: ((إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق))()رواه أحمد وغيره بسند جيد. وقد جعل الله تزكية النفوس وإصلاحها بالفضائل والمكرمات إحدى وظائف النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾().
أيها المؤمنون إن شأن الأخلاق عظيم في هذه الشريعة المباركة إذ هي مبنية على القيام بحقوق الله تعالى والقيام بحقوق العباد ابتغاء وجه الله تعالى، فبقدر ما معك من استقامة الخلق بقدر ما معك من استقامة الدين قال الله تبارك و تعالى في بيان أعظم آيات النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صدق نبوته:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾() قال ابن عباس: أي على دين عظيم. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم حسن الخلق من دلائل كمال الإيمان فقال: ((أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً))() رواه أحمد.
فحسن الخلق أيها المؤمنون صفة من صفات الأنبياء والصديقين والصالحين، بها تنال الدرجات، وترفع المقامات، وهو واجب من الواجبات الدينية، وفريضة من الفرائض الشرعية، وقد أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ففي حديث أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن)) () رواه أحمد والترمذي.
أيها المؤمنون إن لحسن الخلق وطيب الشيم فضائل عديدة في الكتاب والسنة وكلام الأئمة فمن فضائل حسن الخلق أمر الله تعالى به في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾() فإن هذه الآية أجمع آية لمكارم الأخلاق وأصول الفضائل.
ومن فضائل حسن الخلق الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كل الخير والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة مرتهنة بالاقتداء به واتباع سنته، وهو صلى الله عليه وسلم أجمل الناس خلقاً، وأطيبهم شيماً قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾()
ومن فضائل حسن الخلق أيها المؤمنون أن به يبلغ المؤمن درجة الصائم القائم قال صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم))() رواه الترمذي.
ومن فضائل حسن الخلق أيها المؤمنون أنه يثقل ميزان العبد يوم القيامة ففي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ((ما من شيء أثقل في الميزان يوم القيامة من حسن الخلق))().
أيها المؤمنون إن من فضائل حسن الخلق أنه من أسباب القرب من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ففي صحيح ابن حبان قال صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأحبكم إلى و أقربكم مني مجلساً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً))().
عباد الله إن خيرية الرجل لا تقاس بصلاته وصيامه فحسب بل لا بد من النظر في أخلاقه وشيمه فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ًولا متفحشاً وكان يقول: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً)() متفق عليه.
أيها المؤمنون هذه بعض فضائل حسن الخلق ولولم يكن فيه إلا ضمان النبي صلى الله عليه وسلم بيتاً في أعلى الجنة لمن حسن خلقه لكان كافياً ففي سنن أبي داود قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه))() فاجتهدوا أيها المؤمنون في تحسين أخلاقكم لتحرزوا بذلك تلك الفضائل العظيمة والدرجات الرفيعة والأجور الوفيرة فقد صدق من قال:
لو أنني خيرت كل فضيلة ما اخترت غير محاسن الأخلاق
اللهم اهدنا لصالح الأعمال والأخلاق فإنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف سيئها إلا أنت، أقول هذا القول. . .
فاتقوا الله عباد الله وحسنوا أخلاقكم فإن تقوى الله وحسن الخلق أكثرُ ما يدخل الناس الجنة واعلموا أيها المؤمنون أن حسن الخلق الذي رتبت عليه تلك الأجور العظام والفضائل الحسان إنما هو ما ابتغي به وجه الله ووافق فيه الظاهر الباطن، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))() متفق عليه، فحسن الخلق المطلوب أيها المؤمنون سلامة في الظاهر ونقاء في الباطن وإن جماع حسن الخلق جاء في آية واحدة في كتاب الله تعالى وهي: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾() فمن عمل بهذه الآية فقد اجتمع له حسن الخلق، ففيها الأمر بإيصال الخير والنفع إلى الخلق أجمعين، وفيها الحث على احتمال الجنايات، والعفو عن الزلات، و فيها الأمر بمقابلة السيئات بالحسنات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وجماع حسن الخلق مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارة له وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض" انتهى كلامه رحمه الله ().
أيها المؤمنون إن من أعظم ما تزكو به الأخلاق وتطيب به الخصال وتستقيم به الخلال كتاب الله الحكيم: القرآن العظيم، فإن أخلاقه أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها و أطيبها وأعظمها قال الله تعالى واصفاً خلق النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. () ولقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم فأجابت بما شفى وكفى فقالت: كان خلقه القرآن فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً ولا صخاباً بالأسواق ولا يجزي بالسيئة ولكن يعفو ويصفح هذا ما قالته عائشة رضي الله عنها في وصف خلقه.
وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: ((خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أف قط وما قال لي لشيء صنعته لم صنعته ولا لشيء تركته لم تركته وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خلقاً))() فخير الأخلاق يا عباد الله ما كان مقتبساً من مشكاة القرآن الكريم فأقبلوا عليه أيها المؤمنون تلاوةً وحفظاً وعلماً وعملاً، احرصوا على معرفة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم وأخلاقه فإنها من أعظم ما تطيب به الأخلاق.
اللهم إنك تحب معالي الأخلاق وتكره سيئها اللهم وفقنا إلى أحسن الأخلاق والأعمال واصرف عنا سيئها اللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأهواء والأعمال والأدواء.

وقد حث النبي صلى اللّه عليه وسلم على حسن الخلق، والتمسك به، وجمع بين التقوى وحسن الخلق، فقال عليه الصلاة والسلام: { أكثر ما يدخل الناس الجنة، تقوى اللّه وحسن الخلق } [رواه الترمذي والحاكم].
وحُسن الخُلق: طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى عن الناس، هذا مع ما يلازم المسلم من كلام حسن، ومدارة للغضب، واحتمال الأذى.
وأوصى النبي صلى اللّه عليه وسلم أبا هريرة بوصية عظيمة فقال: { يا أبا هريرة! عليك بحسن الخلق }. قال أبو هريرة رضي اللّه عنه: وما حسن الخلق يا رسول اللّه؟قال: { تصل مَنْ قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتُعطي من حرمك} [رواه البيهقي].
وتأمل - أخي الكريم - الأثر العظيم والثواب الجزيل لهذه المنقبة المحمودة والخصلة الطيبة، فقد قال : { إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم } [رواه أحمد].
وعدَّ النبي صلى اللّه عليه وسلم حسن الخلق من كمال الإيمان، فقال عليه الصلاة والسلام:{ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً } [رواه أحمد وأبوداود].
وعليك بقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { أحب الناس إلى اللّه أنفعهم، وأحب الأعمال إلى اللّه عز وجل، سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولئن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في المسجد شهراً } [رواه الطبراني].
والمسلم مأمور بالكلمة الهيِّنة الليِّنة لتكون في ميزان حسناته، قال عليه الصلاة والسلام: { والكلمة الطيبة صدقة } [متفق عليه].
بل وحتى التبسم الذي لا يكلف المسلم شيئاً، له بذلك أجر: { وتبسمك في وجه أخيك صدقة } [رواه الترمذي ].
والتوجيهات النبوية في الحث على حسن الخلق واحتمال الأذى كثيرة معروفة، وسيرته صلى اللّه عليه وسلم نموذج يُحتذى به في الخلق مع نفسه، ومع زوجاته، ومع جيرانه، ومع ضعفاء المسلمين، ومع جهلتهم، بل وحتى مع الكافر، قال تعالى: وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].
وقد جُُمعت علامات حسن الخلق في صفات عدة، فاعرفها - أخي المسلم - وتمسَّك بها. وهي إجمالاً: أن يكون الإنسان كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، براً وصولاً، وقوراً، صبوراً، شكوراً، راضياً، حليماً، رفيقاً، عفيفاً، شفيقاً، لا لعاناً ولا سباباً، ولا نماماً ولا مغتاباً، ولا عجولاً ولا حقوداً ولا بخيلاً، ولا حسوداً، بشاشاً هشاشاً، يحب في اللّه، ويرضى في اللّه، ويغضب في اللّه.
أصل الأخلاق المذمومة كلها: الكبر والمهانة والدناءة، وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة. فالفخر والبطر والأشَر والعجب والحسد والبغي والخيلاء، والظلم والقسوة والتجبر، والإعراض وإباء قبول النصيحة والاستئثار، وطلب العلو وحب الجاه والرئاسة، وأن يُحمد بما لم يفعل وأمثال ذلك، كلها ناشئة من الكبر.
وأما الكذب والخسة والخيانة والرياء والمكر والخديعة والطمع والفزع والجبن والبخل والعجز والكسل والذل لغير اللّه واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ونحو ذلك، فإنها من المهانة والدناءة وصغر النفس.
وإذا بحثتَ عن التقي وجدتَهُ *** رجلاً يُصدِّق قولَهُ بفعالِ
وإذا اتقى اللّه امرؤٌ وأطاعه *** فيداه بين مكارمٍ ومعالِ
وعلى التقي إذا ترسَّخ في التقى *** تاجان: تاجُ سكينةٍ وجلالِ
وإذا تناسبتِ الرجالُ فما أرى *** نسبًا يكون كصالحِ الأعمالِ
أخي المسلم:
إنها مناسبة كريمة أن تحتسب أجر التحلي بالصفات الحسنة، وتقود نفسك إلى الأخذ بها وتجاهد في ذلك، واحذر أن تدعها على الحقد والكراهة، وبذاءة اللسان، وعدم العدل والغيبة والنميمة والشح وقطع الأرحام. وعجبت لمن يغسل وجهه خمس مرات في اليوم مجيباً داعي اللّه، ولايغسل قلبه مرة في السنة ليزيل ما علق به من أدران الدنيا، وسواد القلب، ومنكر الأخلاق!
واحرص على تعويد النفس كتم الغضب، وليهنأ من حولك مِن: والدين، وزوجة وأبناء، وأصدقاء، ومعارف، بطيب معشرك، وحلو حديثك، وبشاشة وجهك، واحتسب الأجر في كل ذلك.
وعليك - أخي المسلم - بوصية النبي صلى اللّه عليه وسلم الجامعة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: { اتق اللّه حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالق الناس بخُلق حسن } [رواه الترمذي].
جعلنا اللّه وإياكم ممن قال فيهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم: { إن أقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً } [رواه أحمد والترمذي وابن حبان].
فائدة حسن الخلق
- ( قال علي رضي الله عنه : - ( حسن الخلق في ثلاث خصال : اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال ) إحياء علوم الدين ( 3/57 ).
- ( عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال : ( حسن الخلق : الكرم والبذلة والاحتمال ) جامع العلوم الحكم ( 160 )
- ( قال الإمام احمد – رحمه الله : حسن الخلق أن لا تغضب ولا تحقد ) المرجع السابق نفسه والصفحة نفسها.
- ( قال ابن القيم – رحمه الله : ( جمع النبي صلى الله عيه وسلم بين تقوى الله وحسن الخلق لان تقوى الله بينه وبين خلقه فتقوى الله توجب له محبة الله وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته ) الفوائد ( 75 ).
وقال الشاعر : -
يا أيها المتحلي غير شيمته ومن سجيته الإكثار والملق
عليك بالقصد فيما أنت فاعله أن التخلق يأتي دونه الخلق


من فوائد حسن الخلق :
- حسن الخلق من افضل ما يقرب العبد إلى الله تعالى. - إذا أحسن العبد خلقه مع الناس أحبه الله والناس .
- حسن الخلق يألف الناس ويألفه الناس. - لا يكرم العبد نفسه بمثل حسن الخلق ولا يهينها بمثل سوئه .
- حسن الخلق سبب في رفع الدرجات وعلو الهمم. - حسن الخلق يدل على سماحة النفس وكرم الطبع
- حسن الخلق سبب في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرب منه يوم القيامة.
- حسن الخلق يحول العدو إلى الصديق. - حسن الخلق سبب لعفو الله وجالب لغفرانه.
- يمحو الله بحسن الخلق السيئات. - يدرك المرء بحسن خلقه درجة الصائم القائم.
- حسن الخلق من أكثر ما يدخل الناس الجنة. - حسن الخلق يجعل صاحبه ممن ثقلت موازينه يوم القيامة .
- حسن الخلق يحرم جسد صاحبه على النار. - حسن الخلق يصلح ما بين الإنسان وبين الناس.
- وبالخلق الحسن يكثر المصافون ويقل المعادون.

ليست هناك تعليقات: